سيد محمد طنطاوي

126

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

متعلق بقوله : * ( فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ) * - والمعنى : فأصبح من النادمين من أجل ذلك . يعنى من أجل أنه قتل أخاه هابيل ولم يواره ، ويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله : من أجل ذلك ويجعله من تمام الكلام الأول ، ولكن جمهور المفسرين وأصحاب المعاني على أن قوله * ( مِنْ أَجْلِ ذلِكَ ) * ابتداء كلام متعلق بقوله * ( كَتَبْنا ) * فلا يوقف عليه « 1 » . و * ( مِنْ ) * هنا للسببية . أي : بسبب هذه الجناية شرعنا ما شرعنا من أحكام لدفع الشر وإشاعة الخير . وعبر - سبحانه - عن السببية . بمن لبيان الابتداء في الحكم . وأنه اقترن بوقوع تلك الجريمة النكراء التي ستكون آثارها سيئة إذا لم تشرع الأحكام لمنعها . وقدم الجار والمجرور على ما تعلق به وهو * ( كَتَبْنا ) * لإفادة الحصر أي : من ذلك ابتدئ الكتب ومنه نشأ لا من شيء آخر . وعبر - سبحانه - بقوله * ( كَتَبْنا ) * للإشارة إلى أن الأحكام التي كتبها ، قد سجلت بحيث لا تقبل المحو أو التبديل ، بل من الواجب على الناس أن يلتزموا بها ، ولا يفرطوا في شيء منها . وخص بنو إسرائيل بالذكر مع أن الحكم عام - لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوبا ، وكان قبل ذلك قولا مطلقا ، ولأنهم أكثر الناس سفكا للدماء ، وقتلا للمصلحين ، فقد قتلوا كثيرا من الأنبياء ، كما قتلوا أكثر المرشدين والناصحين ، ولأن الأسباب التي أدت إلى قتل قابيل لهابيل من أهمها الحسد ، وهو رذيلة معروفة فيهم ، فقد حملهم حسدهم للنبي صلى اللَّه عليه وسلم على الكفر به مع أنهم يعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم ، كما حملهم على محاولة قتله ولكن اللَّه - تعالى - نجاه من شرورهم . وما أشبههم في قتلهم للذين يأمرونهم بالخير بقابيل الذي قتل أخاه هابيل لأنه أرشده إلى ما يصلحه . وقوله - تعالى - : * ( أَنَّه مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ، ومَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) * بيان لما كتبه - سبحانه - من أحكام تسعد الناس متى اتبعوها . والمعنى : بسبب قتل قابيل لأخيه هابيل ظلما وعدوانا ، كتبنا في التوراة على بني إسرائيل * ( أَنَّه ) * أي : الحال والشأن * ( مَنْ قَتَلَ نَفْساً ) * واحدة من النفوس الإنسانية * ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) * . أي : بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص منه * ( أَوْ فَسادٍ فِي الأَرْضِ ) * أي : أو بغير فساد في

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 485 - بتصرف يسير .